الأقدمون طبّقوا عرف أنّ الأرض التي ليست للبيع هي أساس الحياة (إيسوغ سانوغو/ فرانس برس)

كم كان أسلافنا أكثر إدراكاً ورحمة بالبيئة منا، فقد رأوا أن المال خادم جيد وسيد فاسد في ذات الوقت، وأدركوا أن الأرض هي البيئة الطبيعية، والعمل هو النشاط المربوط بكينونة البشر، والمال هو وسيط تسهيل عملية تبادل المنتجات والخدمات، وأن التكنولوجيا هي الوليد الشرعي لتمازج هذه عناصر (الأرض والمال والعمل). وهم عملوا على هذه الأسس، وطبّقوا عُرف أنّ الأرض التي ليست للبيع هي أساس الحياة، والأم الرؤوف التي لا تفرّق في عطائها بين الأبناء، لكنها لا تمنح الغرباء إلا بالقدر الذي يسمح به العُرف.
وظّف الأسلاف معارفهم التقليدية لتغطية حاجاتهم المعيشية، فاستخرجوا من باطن الأرض ما استطاعوا من المعادن لتطويعها وتوظيفها في تكنولوجيات تقليدية شكلت دورات اقتصاد بشري صديق للبيئة. فالتكنولوجيا التقليدية على علاقة أكثر حميمية بدورات البيئة الطبيعية، لأنها تولّدت جراء تفاعلات اجتماعية وثقافية لم تنظر للأرض والعمل كسلع. وثبت أن تعاطى الأوائل كان أقل تعالياً، وأكثر انتماءً، كما يؤكد الباحث السوداني قصي همرور. ولا يعود ذلك لأن الأسلاف لم يملكوا من سطوة التكنولوجيا ما يكفي لممارسة التعالي على البيئة، كما الحال في التكنولوجيا العالمية الحالية، بل لأنّهم أيقنوا أن الأرض ملك لهم وللأجيال اللاحقة، فوظفوا قريحة الابتكار لديهم، وأوجدوا لنا تشابهاً في ابتكاراتهم وممارساتهم وفقاً لتشابه البيئات والتضاريس على امتداد العالم، مع وُحدة الحاجة للطعام والمأوى والتعايش السلمي. فالزراعة هي الزراعة في مشارق الأرض ومغاربها، بما يصاحبها من نشاطات إبداعية في برمجة وحصاد المياه، واستخدامات الأراضي، وتنويع المحاصيل، وسبل ووسائل الحصاد. وكذلك الحال في تربية الحيوانات، وممارسة الرعي في شكل مستدام يضمن عطاء الأرض، ويحافظ على المنظومات البيئية.

حدثتني خبيرة في مجالات استخدامات الأراضي أنّ الريفيين استطاعوا الحفاظ على أراضيهم وفق عرف يقضي باستضافة كل من يلجأ إليهم، وينزح للبحث عن ماء ومأكل ومأوى، ويرغب في المشاركة في خيرات الأرض، ولو لفترة، شرط عدم القيام بثلاثة أعمال كي لا يدعي ملكيته الأرض لاحقاً، وهي بناء السدود لحبس المياه أو تحويل مجراها، وحفر آبار، والزراعة إلا بعد الموافقة على التخلي عن جزء (معلوم) من المحصول لأصحاب الأرض. وهذه علاقة تعايش لا ينسفها إلا زيادة الأطماع، وزيادة الضغوط على موارد الأرض. 
في ظل تنامي النزاعات حول الأراضي خاصة في أفريقيا، يمتد الحديث عن الأرض حتى بعد وقف النزاعات. وتقول وثائق الأمم المتحدة: “تظل الأرض عنصراً حاسماً في سياقات النزاع وما بعده، إذ يشكل رد حقوق اللاجئين والنازحين والمشردين والعائدين جزءاً أساسياً من عمليات بناء السلام”. وهذا ما نراه حالياً في إقليم دارفور وغيره.

(متخصص في شؤون البيئة)